المنجي بوسنينة
50
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
العربي كلها فلم يكتف بتأليف الكتب أو إعداد القاموس فحسب ، بل سكب عواطفه في قوالب الشعر العربي . وهكذا أثبت براعته في هذا المجال أيضا ، وذلك لأنه كان مرهف الحس رقيق العاطفة ودقيق الملاحظة وفوق كل ذلك كان يمتلك قدرة فائقة على إظهار خلجات قلبه في أسلوب الشعر العربي ، ويشهد بذلك كل من يلقي نظرة عابرة على أشعاره المبعثرة في مختلف كتاباته ورسائله . ومن المؤسف أنه لم يعتن بجمع قصائده العربية في ديوان ، لعله كان يجد أبياته أقل نفعا من آثاره النثرية أو كان يحس أن قرض الأشعار لا يليق بمكانته العلمية والدينية . وأيا كان الأمر فإن أبياته العربية تكشف النقاب عن أنه كان يحيط علما بأكثر جوانب التراث العربي للعصرين الجاهلي والإسلامي ، وكان متأثرا بأساليب وتعابير الشعراء الجاهليين إلى حد أننا إذا حذفنا اسمه من قصائده يكون من الصعب القول بأن ناظم هذه القصائد ينتمي إلى بلد غير عربي ، أو أنه من الشعراء المتأخرين للأدب العربي ؛ وذلك لأنه لم يأت بشيء في أشعاره يدل على أنه كان يعيش في وسط الغابات الكثيفة والأنهار الجارية والأشجار الباسقة التي تشتهر بها الهند في أرجاء العالم كله ؛ وعلى سبيل المثال ننقل أبياته التالية : يا سائق الظعن قل لي أنت ما الخبر * أأنزل الركب حيث الرسم والعفر أما مررت بحيّ فيه لي رشأ * تكلّف الشمس أن تحكيه والقمر غصن رطيب رشيق زانه هيف * شمس إلى وجهها لم يمكن النظر مذ بان عنّي لم تدر الكرى مقلي * أرعى النجوم وعين الدمع منهمر من لي به وهو ظبي جلّ منشأه * يسلّ لحظا لقتلي ثم يعتذر ويتبلور من هذه الأبيات أن الشاعر برغم كونه هندي المولد كان عربي الثقافة والمعرفة التي يمتاز بها العصر الجاهلي وتراثه الشعري . ومن الملاحظ أنه تصفح بمنتهى الدقة دواوين الشعراء الجاهليين لكي يفهم المفردات والتراكيب القرآنية ؛ وبكلمة أخرى اتخذ الشعر الجاهلي وسيلة لفهم معاني القرآن وتعابيرها المختلفة . وفي هذه المحاولة أذاب هويته الهندية حتّى بدأ يعد نفسه من ضمن الشعراء الجاهليين الذين كانوا يهيمون في بوادي ووديان الجزيرة العربية ، ويتغزلون بالعذارى والفتيات ، ويشبهونهن بالظباء والآرام والأبقار الوحشية ، ويكررون استعارات وتشبيهات تختص بالمظاهر الطبيعية للجزيرة العربية . ولقد تأثر البلكرامي بهذه الميزات للشعر الجاهلي واستخدمها بمنتهى البراعة في أشعاره ، فمثلا يقول في إحدى قصائده : ميّاسة القدّ ماست وما خطرت * إلّا وقلبي بحبل الودّ قد أسرت نشوانة من رحيق الحسن قد سفكت * دمي بمقلتها عمدا وما حذرت كأنها غصن بان صيغ من ذهب * في خدها روضة أنوارها زهرت